محمد بن جرير الطبري
86
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
النار قبل يوم القيامة استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن القوم سألوا ربهم تعجيل صكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله . وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأن القط هو ما وصفت من الكتب بالجوائز والحظوظ ، وقد أخبر الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل ذلك لهم ، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فكان معلوما بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لو لم تكن على وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع الأمر بالصبر عليه ، ولكن لما كان ذلك استهزاء ، وكان فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أذى ، أمره الله بالصبر عليه حتى يأتيه قضاؤه فيهم ، ولما لم يكن في قوله : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا بيان أي القطوط إرادتهم ، لم يكن لنا توجيه ذلك إلى أنه معني به القطوط ببعض معاني الخير أو الشر ، فلذلك قلنا إن مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من الخير والشر . القول في تأويل قوله تعالى : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ . . . وَالطَّيْرَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : اصبر يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك ، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك ، ثم جاعلو العلو والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا ، فاذكره ذا الأيد ؛ ويعني بقوله : ذَا الْأَيْدِ ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس داوُدَ ذَا الْأَيْدِ قال : ذا القوة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثني أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ذَا الْأَيْدِ قال : ذا القوة في طاعة الله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ قال : أعطي قوة في العبادة ، وفقها في الإسلام . وقد ذكر لنا أن داود صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في طاعة الله . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : داوُدَ ذَا الْأَيْدِ قال : ذا القوة في عبادة الله ، الأيد : القوة ، وقرأ : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ قال : بقوة . وقوله : إِنَّهُ أَوَّابٌ يقول : إن داود رجاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب ، وهو من قولهم : آب الرجل إلى أهله إذا رجع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد إِنَّهُ أَوَّابٌ قال : رجاع عن الذنوب . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد إِنَّهُ أَوَّابٌ قال : الراجع عن الذنوب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّهُ أَوَّابٌ أي كان مطيعا لله كثير الصلاة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : إِنَّهُ أَوَّابٌ قال : المسبح . حدثني يونس ،